محمد راغب الطباخ الحلبي

192

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

من أنا وشدد النون وفتحها ، فلما وقف أبو نصر على ذلك سرّ وعلم أنه قصد به إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها وكتب الجواب يستصوب رأيه ، فكتب إليه الخفاجي : خف من أمنت ولا تركن إلى أحد * فما نصحتك إلا بعد تجريب إن كانت الترك فيهم غير وافية * فما تزيد على غدر الأعاريب تمسكوا بوصايا اللؤم بينهم * وكاد أن يدرسوها بالمحاريب واستدعي محمود بأبي نصر بن النحاس وقال : أنت أشرت عليّ بتولية الخفاجي ، وما أعرفه إلا منك ، ومتى لم يفرغ بالي منه قتلتك وألحقت بك جميع من بينك وبينه صلة وحرمة . فقال : مرني بأمر أمتثله ، قال : تمضي إليه وفي صحبتك ثلاثون فارسا ، فإذا قاربته عرّفه بحضورك فإنه يلتقيك ، فإذا حضر وسألك النزول عنده والأكل معه ، فامتنع وقل له : إني حلّفتك ألا تأكل زاده ولا تحضر مجلسه حتى يطيعك في الحضور عندي ، وطاوله في الحديث حتى يقارب الظهر ، ثم ادّع أنك جعت وأخرج هذه الخشكنانجتين ، فكل أنت هذه وأطعمه هذه ، فإذا استوفى أكلها عجّل الحضور إلي ، فإن منيته فيها . ففعل ما أمره به . ولما أكلها الخفاجي رجع أبو نصر إلى حلب ورجع الخفاجي إلى عزاز ، فلما استقر بها وجد مغصا شديدا ورعدة شديدة فقال : قتلني واللّه أخي أبو نصر . ثم أمر بالركوب خلفه ورده ، ففاتهم إلى حلب ، فصبح من الغد محمود فجاءه من عزاز من أخبره أن الخفاجي في السياق ومات . وكانت وفاته في سنة ست وستين وأربعمائة ، وحمل إلى حلب . ومن شعره : وقالوا قد تغيّرت الليالي * وضيّعت المنازل والحقوق فأقسم ما استجد الدهر خلقا * ولا عدوانه إلا عتيق أليس يردّ عن فدك عليّ * ويملك أكثر الدنيا عتيق وقال أيضا : بقيت وقد شطّت بكم غربة النوى * وما كنت أخشى أنني بعدكم أبقى وعلمتموني كيف أصبر عنكم * وأطلب من رقّ الغرام بكم عتقا فما قلت يوما للبكاء عليكم * رويدا ولا للشوق بعدكم رفقا